ابن عجيبة

402

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

إلى أعدائنا ، وبالغوا ، حتى دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولبس لأمته « 1 » . فلما رأوه قد لبس سلاحه ندموا ، وقالوا : بئس ما صنعنا ، نشير على النبي صلّى اللّه عليه وسلم والوحي يأتيه ، فقاموا واعتذروا إليه . وقالوا : اصنع ما رأيت ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل » . فخرج بعد صلاة الجمعة ، وأصبح بشعب من أحد ، يوم السبت للنصف من شوال ، سنة ثلاث من الهجرة ، ونزل في عدوة من الوادي ، وجعله ظهره وعسكره إلى أحد ، وسوى صفهم كما تقدم ، وأمّر عبد اللّه بن جبير على الرماة ، وقال : انضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، فكان من أمر اللّه ما كان ، على ما يأتي « 2 » . وخرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في غزوة أحد زهاء ألف ، ووعدهم النصر إن صبروا ، فلما بلغوا الشواط - موضع - انخزل ابن أبىّ في ثلاثمائة ، وقال : علام نقتل أنفسنا ! فتبعهم أبو جابر السلمى ، فقال : أنشدكم اللّه في نبيكم وأنفسكم . فقال ابن أبىّ : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالانصراف معه ، فثبتوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فذكرهم نعمته بقوله : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وناصرهما ، حيث عصمهما من اتباع المنافقين ، قال جابر : ( ما يسرنا أنها لم تنزل ، لقوله : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ) فبنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لا على غيره ، إذ لا ناصر غيره . الإشارة : من شأن شيوخ التربية أن يدلّوا المريدين على محاربة النفوس ومقاتلتها ، ويطلعوهم على دسائسها ومخادعتها ، ليهيئوا لهم بذلك مقاعد لقتالها ، واللّه مطلع على إخلاصهم ونياتهم ، فمنهم من يمل ويكل ، فيرجع إلى وطن عوائده ، ومنهم من يصبر حتى يفوز بالغنيمة العظمى والسعادة القصوى ، وفي ذلك يقول القائل : وبالغوا في الجدّ حتى ملّ أكثرهم * وعانق المجد من وافى ومن صبرا قال بعضهم : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها وصلوا . ه . ومنهم من يلحقه الملل والفشل فيهم بالانصراف والرجوع ، ثم يثبته اللّه تعالى وينصره ، فيلحق بالصابرين السابقين ، وعمدة المريد في مجاهدة نفسه : التوكل على اللّه والاعتماد عليه دون شئ سواه ؛ « من علامة النجح في النهايات : الرجوع إلى اللّه في البدايات » . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . ثم ذكّر أهل أحد بما وقع لهم يوم بدر من النصر والظفر مع قلتهم ؛ ليثبتوا ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 123 ] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 )

--> ( 1 ) اللأمة - مهموزة - : الدرع . ( 2 ) عند تفسير قوله تعالى : « وما محمد إلا رسول » .